محمد سعيد رمضان البوطي
126
فقه السيرة ( البوطي )
موحدا يتعلم القرآن وأحكام الإسلام ، حتى انتشر الإسلام في دور المدينة كلها ولم يكن بينهم حديث إلا عن الإسلام . وهل تعلم من هو مصعب بن عمير هذا ؟ ! . إنه ذاك الذي كان أنعم غلام بمكة ، وأجود شبانها حلة وبهاء ، فلما دخل الإسلام ، طوى كل تلك الرفاهية وذلك النعيم ، وانطلق في سبيل الدعوة الإسلامية من وراء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتجرع كل شدة ويستعذب كل عذاب حتى قضى نحبه شهيدا في غزوة أحد ، وليس له مما يلبسه إلا ثوب واحد ، أرادوا أن يكفنوه به ، فكانوا إذا غطوا به رأسه خرجت رجلاه وإذا غطوا رجليه خرج رأسه فأخبروا بذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فبكى للذي كان فيه من النعمة في صدر حياته ، ثم قال : « ضعوه مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه شيئا من الإذخر » « 1 » . فليست مهمة الدعوة الإسلامية وقفا على الرسل والأنبياء وحدهم ، ولا خلفائهم وورثتهم العلماء الذين يأتون من بعدهم ، وإنما الدعوة الإسلامية جزء لا يتجزأ من حقيقة الإسلام نفسه ، فلا مناص ولا مفر لكل مسلم من القيام بعبئها مهما كان شأنه أو عمله واختصاصه ، إذ حقيقة الدعوة إنما هي « الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر » وهو جماع معنى الجهاد كله في الإسلام ، وأنت خبير أن الجهاد فرض من فروض الإسلام تستقر تبعته على كل مسلم . ومن هنا تعلم أنه لا معنى ولامكان لكلمة رجال الدين ، في المجتمع الإسلامي ، حينما تطلق على فئة معينة من المسلمين . ذلك أن كل من دخل الإسلام فقد بايع اللّه ورسوله على الجهاد من أجل هذا الدين ، ذكرا كان أم أنثى عالما أو جاهلا ، ومهما كان شأنه أو اختصاصه ، فالمسلمون كلهم رجال لهذا الدين ، اشترى منهم اللّه أرواحهم وأموالهم بأن لهم الجنة يسخرونها في سبيل إقامة دينه ونصر شريعته . ومن المعلوم أن هذا كله لا علاقة له بما للعلماء من اختصاص البحث والاجتهاد وتبصير المسلمين بأحكام دينهم ، وحل ما قد يجدّ من المشكلات في حياتهم ، على ضوء نصوص الشريعة الثابتة مع الزمن .
--> ( 1 ) مسلم : 3 / 48 ، وانظر الإصابة لابن حجر : 3 / 403 .